عبد الملك الجويني

78

نهاية المطلب في دراية المذهب

تحكم أبي حنيفة ( 1 ) في مقابلة مدٍّ بمدٍّ ، ودرهم ( 2 ) بمد . هذا قاعدة الفصلِ . ومن مال إلى التوزيع من أصحابنا ، فتقريبه أنا أُمرنا بطلب المماثلة ، كما أُمرنا بتمييز الشقص المشفوع في الصفقة المشتملة على الشقص والسيف ، ولا طريق يهتدى إليه إلا التوزيع . وله نظائر في الشريعة ، وهذا لا يقوى على السَّبرِ . فقد حصل مسلكان : أحدهما - التوزيع ، والآخر - عدم التماثل والاستبهامُ ، ونحن الآن نُخرِّج مسائلَ الفصل على المسلكين . 2958 - فلو باع مُدَّ عجوة قيمتُه درهم ودرهماً ؛ بمُدَّي عجوة قيمةُ كل واحد منهما درهم ، فالبيع باطل باتفاق الأصحاب . فأمَّا من اعتمدَ التوزيع إذا قيل له : الدرهم نصف ما في هذا الجانب ، فيقابل مداً ، ويبقى مدٌّ في مقابلة مدٍّ ، فلا تفاضل ، فيقول مجيباً : إنما أدَّى التوزيع إلى التماثل من جهة أن قيمة المدّ الذي مع الدرهم فُرضت مثلَ الدرهم ، وإنما صِيرَ إلى ذلكَ من جهة التقويم ، والتقويم متلقى من الاجتهاد ، وشرط التماثل أن يجري محسوساً . . هذا ما ذكره الموزّعون . وأنا أقول : سبب التحريم في هذه الصورة ما قدَّمته من أن الصفقة اشتملت على مال الربا ، ولم يتحقق جريان المماثلة ، وقد تُعبّدنا بالمماثلةِ . وهذه الطريقة تجري في هذه الصورة جريانَها في الأُولى . ولو باع مدَّ عجوةٍ ودرهماً بمُد عجوةٍ ودرهمٍ ، فالبيع باطل ، وسبيل تخريج الفساد على أصل التوزيع أن نقول : الدرهم في هذا الجانب [ ثلثُ ما في هذا الجانب ] ( 3 ) مثلاً ، فنقابل ثلُثَ درهم وثلُثَ مدٍّ ، ويعود التفريع إلى بيع ثلث درهم وثلث مد بدرهم ، ولو وضع البيع كذلك أول مرّة ، لكان هذا بمثابة بيع درهم ومد بمدين ؛ فإنه

--> ( 1 ) ر . إيثار الإنصاف : 288 ، 289 ، فتح القدير : 7 / 144 . ( 2 ) في هامش الأصل تعليق بخط مغاير ، يقول : من يحفظ يصل إلى تحكم أبي حنيفة . ( 3 ) ما بين المعقفين سقط من الأصل .